محمد محمد أبو ليلة

72

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

ومن المفيد أن نذكر في هذه القرينة كذلك أن الضمير في " أنزلناها " و " أنزلناه " ، راجع إلى " القرآن " ، أو إلى " السورة " ، ومعناه في الموضعين أنزلنا حامله ، أو حاملها ؛ لأن القرآن لم ينزل بنفسه ؛ بل نزل به جبريل عليه السلام . يتخذ الكاتب من آيات التحدي بالقرآن المذكورة ، دليلا يؤكد به زعمه ، بأن " السورة " تطلق على القرآن كله ، كما تطلق على بعضه ؛ وهو بهذا يكون قد أوجد في الوهم علاقة بين كلمة " سورة " العربية ، ومقابلها بالسريانية " سورتا " ، والعلاقة هي أن كلا من الكلمتين ، يطلق على " الكتاب المقدس " كله أو بعضه ؛ واجتهاد الكاتب هنا ، في غير محله ؛ والصلة بين نتيجته ومقدماته ، مبتورة مقطوعة ؛ فعبارة القرآن : ( فأتوا بسورة مثله ) ، و ( فأتوا بعشر سور مثله ) ، بعود الضمير على القرآن في كل ، لا يعنى البتّة أن السورة ، والعشر سور ، والقرآن ، كله بمعنى واحد ، كما يحاول هو أن يفرضه ؛ والصحيح أن اللّه تعالى قد تدرج مع العرب في التحدي ؛ فقد تحداهم في البداية بكل القرآن : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( 88 ) ( الإسراء : 88 ) ، تلك الآية التي أهمل ويلش الإشارة إليها ، في هذا الصدد ؛ لأنها لا توافق مدّعاه تفيد بوضوح أن التحدي هنا بكل القرآن ، لا بسورة ، أو عشر سور منه فقط ؛ وهذا في حد ذاته ، إشارة واضحة إلى أن القرآن في مجموعه معجز ، وفوق قوى البشر العقلية وقدراتهم الإبداعية ، كما أنه معجز في سوره وآياته . انتقل اللّه تعالى من تحدى العرب ، أن يأتوا بمثل القرآن ، إلى تحديهم بالسورة ، والعشر سور منه ، حتى لا يقولون : قرآن جاء به محمد في ثلاث وعشرين عاما ، يطالبنا أن نأتى به في الوقت القصير ؛ وبلغاؤنا وعباقرتنا ، يقلقون ويضطربون ، يهيمون ويطوفون ، ويطاف بهم ، من أجل قصيدة تنشد ، أو خطبة تلقى ؛ ناهيك بما في القرآن من علوم ، ومعارف ، ولطائف ، وطرائف ، وغرائب ، وعجائب ، تعجز البشر لذلك ؛ قال اللّه لهم : قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ ، أو قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ، أي من جنسه ؛ وقد فات الكاتب أن يلاحظ عود الضمير على " القرآن " كله ، لا على " سورة " ، أو " العشر سور " ؛ إذ أثبت اللّه في كلا الموضعين كلمة " مثله " ، أي القرآن ؛ ولم يقل مثلها ، يعنى " السورة " أو " العشر سور " . ومن التنزل في التحدي ، أن اللّه لم يحدد لهم حجم السورة ، أو السور ، التي طلب إليهم أن يأتوا بمثلها بل ترك لهم الاختيار ، أن يختاروا ما يظنون أنه في إمكانهم محاكاته .